Deprecated: mysql_connect(): The mysql extension is deprecated and will be removed in the future: use mysqli or PDO instead in /home/belal/public_html/_Bin/includes/db/mysql.php on line 31
شبكة آل الحريري

كلمة الدكتور بشير زين العابدين


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

ففي مطلع القرن العشرين أوكلت السلطات العثمانية إلى السيد الحسيب النسيب عبد المحسن بن حسين بن إسماعيل زين العابدين مهمة جمع أنساب السادة الحريرية في بلاد الشام وتوثيقها، فأخذ على عاتقه هذه المهمة الكبيرة، وتجول في أرجاء حوران، ثم رحل إلى دمشق وحماة، وذهب بعد ذلك إلى فلسطين وجال في قرى نابلس، وتكررت زيارته إلى اسطنبول لمقابلة نقيب الأشراف الذي أوعز إلى مفتي حماة الشيخ محمد أفندي الحريري أن يثبت النسب الشريف بعد التأكد من صحته، ففعل ذلك بحضور أعيان المدينة وعلمائها سنة 1324هـ/1906م، وبقي النسب محفوظاً عند أبنائه حتى مر قرن من الزمان دون أن تبذل جهود من السادة الحريرية لإكمال الجهد الذي ابتدأه السيد عبد المحسن رحمه الله تعالى وأجزل ثوابه، وجعل ذلك في ميزان حسناته.

وفي الفترة ذاتها نشط مجموعة من آل الحريري الكرام في توثيق نسبهم؛ فظهرت شجرة أنساب السادة الحريرية في فلسطين سنة 1326هـ/1908م، أي بعد عامين من ظهور نسب السادة الحريرية بحوران. وفي سنة 1329هـ/1911، قام بعض السادة الحريرية في حماة بإصدار نسخة موثقة من نسبهم اعتمدوا فيها على نسخة سابقة تعود إلى القرن الثاني عشر الهجري، وقد عثر عليها في الأرشيف المركزي للدولة العثمانية باسطنبول فيما بعد.

أما فيما يخص شجرة نسب آل الحريري بحوران فقد انتقلت بعد وفاة السيد عبد المحسن إلى ابنه السيد عز الدين، الذي اتصل بالوالد حفظه الله، وحثه على ضرورة استكمال نسب السادة الحريرية، كما أرسل له الشجرة عن طريق ابنه السيد رياض، ومن هنا بدأت جهود تحقيق المخطوطات المتعلقة بهذا النسب الكريم، بغية نشرها وإتاحتها لعموم آل الحريري الكرام.

وقد استغرق تحقيق النسب سنوات عدة، بذلت في أثنائها جهوداً كبيرة لجمع الأوراق المتناثرة، والمراسلات القديمة، والمصادر المعتمدة، بالإضافة إلى الاتصال بالسادة الحريرية في حوران وحماة وفلسطين، وكذلك مع السادة الرفاعية وغيرهم من السادة الحسينيين، وكان الهدف من ذلك كله هو وصل النسب الشريف حتى مطلع القرن الواحد والعشرين، ويصعب وصف ما كان يعتلج الجوانح من مشاعر الهيبة أمام هذا العمل الكبير كلما اكتملت حلقة من حلقاته المتواصلة، كيف لا وقد اختص الله سبحانه وتعالى آل البيت النبوي بخصائص ليست لسواهم، فقال جل من قائل:

{إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} (1)

وألحق سبحانه وتعالى تطهير آل بيت النبي بتطهيره عليه الصلاة والسلام، فحرم عليهم الصدقة وعوضهم عن ذلك بالخمس من الفيء والغنيمة، وقد ذهب الحافظ ابن حجر السعقلاني إلى أن المراد بآل البيت في تلك الآية بنو هاشم، فقال:

"المراد بالآل هنا بنو هاشم وبنو المطلب على الأرجح من أقوال العلماء”.(2)

وقد درج السلف الصالح على توقير آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيمهم، والاعتراف بعظيم حقهم، فمن علامة محبة رسول الله محبة ذريته وإكرامهم وعدم التعرض لهم بنقيصة أو ذم، وعدم عداوتهم وبغضهم، وذهب العلماء إلى وجوب التأدب مع آل البيت، وإن صدر من أحدهم بعض المخالفات فينبغي بغض أفعاله والنصح له، وتذكيره بنسبه الشريف وحقه عليه، أما ذاته فلا يبغضها لاتصال نسبه بالدوحة النبوية الشريفة. (3)

كما أمر صلى الله عليه وسلم بالصلاة على آل بيته، وقرنها بالصلاة عليه، وذلك عندما سأله بعض أصحابه: "كيف نصلي عليك؟” فقال:

"اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد”.(4)

قال الحافظ ابن حجر عقب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "وعلى آل محمد”:

"واختلف في المراد بآل محمد في هذا الحديث، فالراجح أنهم من حرمت عليهم الصدقة، وهذا ما نص عليه الإمام الشافعي واختاره الجمهور، ويؤيده قول النبي السابق للحسن بن علي: "إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة”، وقال الإمام أحمد بن حنبل في حديث التشهد: أهل بيته”. (5)

فهنيئاً لمن جمع الله لهم حسن العمل واتصال النسب ببيت النبوة، فانطبق عليهم قول رسول الله عليه الصلاة والسلام:

"وإن الأنساب يوم القيامة تنقطع غير سبـبـي ونسبي”. (6)

قال عمر بن الخطاب: "فتزوجت أم كلثوم لما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ وأحببت أن يكون بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم سبب ونسب”.

أما من خالف عمله ما أمر به الرسول عليه الصلاة والسلام، فلا ينفعه نسبه، فصلة النسب بالنبي لا تنفع إلا إذا صاحبها الإيمان وصدقها العمل الصالح، ولو كان النسب ينفع صاحبه دون إيمان أو عمل لنفع أبا لهب، وكان من أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله نسباً.

فينبغي تنبيه أهل بيت النبوة إلى أنهم أحق الناس بالاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام، واتباع هديه، فقد كان أتقى الخلق وأخشاهم لله، وكان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه مع ما أكرمه الله عز وجل من مغفرة ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ويتعين على آل بيته أن يقتدوا به ويتأسوا بسيرته، وأن يتفقهوا في الدين ويطلبوا العلم، ويأخذوا بالكتاب والسنة، ويعملوا بهما لأنهم أولى الناس بذلك.

فالانتساب إلى بيت النبوة شرف له تبعات ومسؤوليات كبرى، وقد أدرك ذلك السلف الصالح من آل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلم يتكلوا على النسب والقرابة بل اشتهروا بعلمهم وعبادتهم وجهادهم وإصلاحهم، وفي ذلك يقول الإمام الحسن المثنى بن الإمام الحسن السبط رضي الله عنه:

"إني أخاف أن يضاعف للعاصي منا العذاب ضعفين، والله إني لأرجو أن يؤتى المحسن منا أجره مرتين”. (7)

وبناء عليه فإن جهدنا في تحقيق نسب آل الحريري الكرام، وجعله متاحاً لعمومهم، لم يكن بهدف إذكاء روح الاعتزاز والفخر على الناس، ولا بغية دفعهم للاتكال على النسب وترك العمل، فلا يحق لتارك الصلاة وقاطع الرحم وآكل الحرام ومرتكب المحرمات أن يعتد بنسبه مهما كانت صلة قرابته، بل إن هذا العمل المتواضع يهدف إلى تحقيق أمرين رئيسين:

أولهما: الدعوة إلى الاقتداء بالرسول عليه الصلاة والسلام في هديه وفي أقواله وأعماله، لأن أهل بيت النبوة هم أولى الناس بامتثال أمر الله سبحانه وتعالى:

{وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}. (8)

وقوله جل من قائل:

{لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر}. (9)

ومصداق ذلك في السنة النبوية ماورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

"إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم”. (10)

ويتحقق فيمن انتسب إلى آل البيت الاجتهاد في القيام بأمر الله واجتناب ما نهى عنه، والاتصاف بالتواضع وحسن الخلق، ويتأكد في حقهم حفظ القرآن وتعلم العلم الشرعي؛ فهو ميراث جدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي لم يورث درهماً ولا ديناراً وإنما ورث العلم. ونظراً لتفشي الأمية وانتشار بعض العادات السيئة في المجتمعات الإسلامية خلال مراحل متأخرة من التاريخ الإسلامي فإن هذا العمل المتواضع قد جاء بهدف تذكير من لهم صلة ببيت النبوة أن يقرأوا سيرة خير خلق الله محمد عليه الصلاة والسلام، وأن يتخلقوا بخلقه الذي أثنى عليه الله عز وجل بقوله:

{وإنك لعلى خلق عظيم}. (11)

وأن يقتدوا بالنبي الكريم ويتأسوا به، ويحضوا أبناءهم على طلب العلم، وعلى إحياء ما اندرس من هديه عليه الصلاة والسلام، وإبطال البدع والمنكرات التي نسبت إليه زوراً وبهتاناً.

وثانيهما: الحض على صلة ما انقطع من رحم، تحقيقاً لقوله تعالى:

{واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم}. (12)

وعملاً بالحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه”.(13)

فقد توالت هجرات السادة الأشراف في بقاع الأرض، وتوزع آل الحريري في أكثر من عشرين قرية من قرى حوران، كما انتقل الكثير منهم للإقامة في دمشق وحماة وحلب وفي أرجاء فلسطين ولبنان ومصر، وأصبح من المتعذر تتبع أنسابهم وتحقيق الصلة بينهم، فجاء هذا العمل لتتبع هجرات السادة الحريرية وتحديد مواطنهم، إذ أنه يتأكد في حقهم التفكر في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك، قالت: بلى، قال فذلك لك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأوا إن شئتم: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم. أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم}”. (14)

وينبغي عليهم أن يطبقوا في أنفسهم الحديث الذي رواه أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

"من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه”. (15)

وإذ يمثل هذا الجهد المتواضع بين يدي القارئ الكريم فإنه يجدر التنبيه إلى عدة أمور منها:

أ- اقتصار النسب على فروع دون غيرها من آل الحريري ولذلك فإن الكثير من فروع آل الحريري غير مشمولين في هذا النسب، ولا بد من جهد ميداني أوسع من سابقه لاستكمال نسب السادة الحريرية في كل من دمشق وحماة وحلب وفلسطين ولبنان.

ب- وجود أخطاء إملائية ونحوية في المخطوطات الأصلية، وقد تم تصحيح الكثير منها بعد مراجعتها من قبل عدد من المطلعين من مختلف أفرع النسب الكريم، جزاهم الله خيراً وبارك في جهودهم.

ج- يتوقف عمل السيد عبد المحسن رحمه الله عام 1324هـ/ 1906م، ولذلك فقد قمنا ببذل جهدنا لاستكمال ما أمكننا، مع قلة الموارد وتعذر القيام بالجهد الميداني في الظروف الحالية، والصورة الأمثل لتعويض ذلك هي فتح باب التواصل بين أبناء آل الحريري، واستقبال أي اقتراح أو ملاحظة أو إضافة أو تصويب.

كما يجدر التنبيه إلى أن هذا الجهد المبذول في هذا الموقع هو في أساسه عمل أكاديمي بحثي يهدف إلى تحقيق نسب آل الحريري الكرام وإتاحة مخطوطات النسب المتوافرة بين أيديهم بعد الدراسة والتحقيق، ولا بد أن يتبع هذا العمل بجهد ميداني موسع يتم من خلاله استدراك فروع السادة الحريرية التي لم تذكر في المخطوطات الواردة، وإضافة ما استجد خلال القرن العشرين ومطلع القرن الواحد والعشرين.

أسأل الله العلي القدير أن يجزي السيد عبد المحسن زين العابدين خير الجزاء وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يجزل المثوبة لكل من ساهم في إخراج هذا النسب الشريف، وأن يبارك في هذا العمل المتواضع ويتقبله خالصاً لوجهه الكريم.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آل الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.



(1) سورة الأحزاب، آية 33، وقد روى مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي”. صحيح مسلم: 15/176.

(2) أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852 هـ) فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار الكتب العلمية، بيروت، 1989. كتاب الزكاة 3/354.

(3) أحمد ضياء بن محمد قللي العنقاوي (2005) معجم أشراف الحجاز في بلاد الحرمين ، مؤسسة الريان، بيروت، ص 7.

(4) صحيح البخاري، كتاب الدعوات، حديث رقم: 996.

(5) أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852 هـ) فتح الباري، مصدر سابق، 11/160.

(6) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، حديث رقم: 18149.

(7) علي بن عبد الوهاب السمهودي (ت 911 هـ) جواهر العقدين في فضل الشرفين، دراسة وتحقيق مصطفى عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، 1995، ص 1.

(8) سورة الحشر، آية 7.

(9) سورة الأحزاب، آية 22.

(10) متفق عليه.

(11) سورة القلم، آية 4.

(12) سورة النساء، آية 36.

(13) متفق عليه.

(14) متفق عليه.

(15) متفق عليه.