زعماء آل الحريري في القرن العشرين


ظهر من وجهاء الحريرية في القرن العشرين الشيخ إسماعيل الحريري، الذي كان من أهم زعماء حوران خلال مرحلة الانتداب الفرنسي، فعندما دخل غورو بقواته واحتل مدينة دمشق بعد معركة ميسلون سنة 1920م، أصدر أوامره إلى الشيخ إسماعيل الحريري -باعتباره أحد أهم وجهاء حوران- بالعمل على إمداد القوات الفرنسية الغازية برجال من قبيلته ومؤازرته في حملاته ضد الوطنيين، فرفض الشيخ إسماعيل ذلك وبادر إلى اجتياز حدود حوران ترافقه قوة مؤلفة من خمسين فارساً وأقام لاجئاً في الأردن، مما دفع بالفرنسيين للانتقام منه عن طريق مهاجمة منزله وتدميره، وفي هذه الأثناء شن الشيخ إسماعيل الحريري ومجموعته المجاهدة حملات متواصلة ضد القوات الفرنسية على الحدود السورية لمدة عامين، ولم يعد إلى موطنه حوران إلا بعد صدور عفو عام عنه وعن أولاده (محمد خير وسالم الحريري) الذين كانوا قد حكموا بالإعدام. وعاد الثوار الحوارنة إلى بيوتهم من اللجاة ومن الأردن بعد أن حملت الطائرات المناشير بالعفو عنهم وألقتها على معاقلهم في الصفا واللجاة على الحدود مع الأردن.

ومن أهم المعارك التي برز فيها آل الحريري ضد الاستعمار معركة "كبانية البسط” شرقي مدينة الحراك بحوران حيث حاصر المجاهدون موقعاً فرنسياً، واندلعت معركة حامية تكبد فيها الفرنسيون خسائر فادحة، مما دعى بالمستعمرين إلى تطويق بلدة الحراك وقصفها بالطائرات الحربية وأحدثوا فيها أضراراً بالغة في المساكن والممتلكات، ثم فرض الفرنسيون على أهل القرية غرامة تقدر بحوالي 2000 ليرة ذهبية لتعويض خسائرهم، وقد ظهر في هذه المعركة اسم محمد ذيب الحريري باعتباره أحد أبرز زعماء الحركة الوطنية في حوران آنذاك.

ولعل الرجل الأكثر شهرة في تاريخ آل الحريري في القرن العشرين هو الشيخ محمد خير بن الشيخ إسماعيل الحريري، الذي ولد في قرية الشيخ مسكين سنة 1890م، وكان اسمه معروفاً لدى أغلب الوطنيين في سورية خلال فترة الانتداب،(1) فقد أسندت إلى الشيخ محمد خير الحريري مهمة تسهيل وصول الثوار الوطنيين إلى الأردن، وفي الوقت ذاته كان يمثل الرديف المعنوي للعمل الجهادي الذي كان يقوده والده الشيخ إسماعيل الحريري، ونتيجة لدوره البارز في مقاومة الاستعمار فقد انتخبه أهالي حوران نائباً في البرلمان السوري خلال فترة ما بعد الانتداب، فكان رائداً من رواد الإصلاح السياسي والاقتصادي، ومن إنجازاته تبني مشروع نموذجي زراعي واسع النطاق لزراعة الأشجار المثمرة والخضروات في بلده الشيخ مسكين، وأقام على تنسيقه والعناية به مجموعة أخصائيين من دمشق لغراسة الأشجار والبقول. وقد وصفه المقربون منه بأنه كان جاداً في كل شيء، واضحاً في عمله يكره التذبذب في مواقفه السياسية ويتجنب التقلب والرياء، كما كان واسع الثقافة، يتقن اللغة الفرنسية، وكان محبوباً من قبل أصدقائه ومقربيه، مسموع الكلمة واسع النفوذ. وعندما توفي سنة 1985م سار في جنازته حشد جماهيري كبير من أرجاء القطر السوري على المستوى الرسمي والشعبي.(2)

وبعد وفاة محمد خير الحريري في أكتوبر 1985، خلفه ابنه الشيخ ناصر الحريري الذي درس الحقوق في جامعة دمشق، وانتخب عضواً بمجلس الشعب السوري عام 1988 وسط احتفالات كبيرة في درعا والشيخ مسكين، ونظراً للمكانة الكبيرة التي تبوأها الشيخ ناصر في أوساط الحريرية فقد حافظ على منصبه حتى يومنا هذا.

أما في مدينة حماة فقد برز السيد محمد أفندي بن عمر الحريري الذي تولى عدة مناصب منها: نقابة الأشراف، ومنصب الإفتاء عام عام 1313هـ/1895، وقد ذكر أحد تلامذته، وهو الشيخ حمود بن محمد الزبرؤتي الحموي، جملة من القصائد التي نظمت في مدح السيد محمد أفندي الحريري، منها قول الشيخ فارس أفندي الشقفة يمدحه ويمدح عائلة الحريري بقوله:

بيت الحـــــــريري الذي آباؤه                     لا زال فيهم من بنا يتلــطف

أنعم بهم سلفاً مضــوا لنعيمهم                     ولنعم والله الـــذي قد خلـفوا

علم وحلم بل تقى ومـــــروءة                     في ما نرى ونزاهة وتعـفف

جاد الكــــريم بنا علـــيه مفتياً                     فمن الذي عن أمره يستنكف (3)

ومن المعلوم أن السيد الحسيب النسيب محمد أفندي الحريري كان لا يزال في منصب الإفتاء عام 1324هـ/1906م، عندما قدم إليه السيد عبد المحسن زين العابدين رحمه الله وعرض عليه مشجرة أنساب السادة الحريرية في حوران، فأجازها، وكتب بخط يده تعليقاً وافياً عليها، وأثبت هذا التعليق في مقدمة الكتاب.

وللشيخ محمد بن عمر أفندي الحريري توقيعات على العديد من مشجرات الأنساب بالشام في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وقد ترقى في المناصــب حتى أصبح قائمقام حماة، وتوفي رحمه الله تعالى عام 1912، عن عمر ناهز السادسة والخمسين عاماً، وله عقب في مدينة حماة.

وفي مدينة حلب برز الحاج وهبي الحريري ، الذي كان من كبار تجار سورية وصناعييها، وكان من مؤسسي صناعة النسيج في مدينة حلب ، وفي عام 1943 انتخب الحاج وهبي الحريري عضواً بمجلس الشعب ، ثم تولى منصب وزارة المالية عقب الاستقلال . ومن ضمن مآثره تبرعه لبناء الكلية الإسلامية ، فقال فيه الشاعر معبراً عن شكره وتقديره له:

وهبي وهبت من العطاء كثيرا               فجزاك ربك جنة وحـــريرا

هبة تشــــيد لديــــننا كلــــــية                 آيات فخرك سطرت تسطيرا

بالمكرمات عرفت في أوطاننا               لا زال سعيك عالياً مشكورا

كما برز في مدينة حلب كذلك: الأديب الشاعر صبحي الحريري ، أحد مؤسسي نقابة الفنانين ، والحائز على العديد من الجوائز الشعرية . وقد صدر للشـــــاعر صبحي الحريري العديد من الدواوين والمؤلفات الأدبية ، وامتاز بفن الشعر المطرز حتى أطلقت الصحافة السورية عليه لقب : ” فارس الشعر العربي المطرز ” .وتم تكريمه بإطلاق تسمية أحد شوارع مدينة حلب باسمه.

أما في فلسطين فقد عرفت عائلة آل المقبل من ذرية محمد الزاهد الحريري بالتدين ، وكان من أبرز وجهاء البواقنة في بلاد الروحة : الشـــيخ مقبل بن ناصر بن علي (الملقب بالصوص) بن ذيب بن عبد الرحمن بن مقبل بن أحمد بن قاسم بن محمد الزاهد ، وكان زعيم البواقنة في السنديانة والفريديس ، وقد عرف بالصلاح والتقوى ، وكان يسعى في حل مشكلات الناس ويسهر على مصالحهم ، ويذكر أهل السنديانة له كرامات عديدة ، وقد توفي رحمه الله بعد فترة وجيزة من أداء فريضة الحج سـنة 1864، ودفن في يافا ، وخلفه في زعامة البواقنة ابنه الشيخ محمد المقبل ، وكان محباً للخير ، يسعى إلى الإصلاح بين الناس حتى إنه لم يكن ينام وهو يعلم بوجود أناس متخاصمين في البلد ، وقد قتل سنة 1939 ، وأنجب ستة أولاد هم : عبد الكريم وشاكر وتوفيق ومقبل ومحمود ورضا.

وقد برز من أبناء الشيخ محمد مقبل عبد الكريم الذي درس في الجامعة الأمريكية ببيروت ، وحارب الإنجليز في مصر ، ثم التحق بالجيش العربي ، وحـــوكم من قبل الإنجليز بتهمة قتل ضابط بريطاني، وبعد مقتل عبد الكريم مع والده عام 1939 برز دور شقيقه كأحد وجهاء السنديانة، حيث شارك في ثورة 1936-1939، وفي سنة 1948 قاتل اليهود مع الجيش العراقي، وقد اشتهر بقوته وشدة بأسه، ويحكي أهل تلك المنطقة قصصاً كثيرة عنه.

ومن أبرز وجهاء السادة الحريرية في بيت المقدس المناضل ذو الكفل عبد اللطيف الذي كان من أبرز قادة ثورة عام 1936، ثم ظهر اسمه في النضال ضد الصهاينة والإنجليز مرة أخرى عام 1939، عندما هبط ذو الكفل مع الشيخ حسن سلامة بالمظلة من طائرة ألمانية مع مجموعة من الثوار الفلسطينيين جنوب البحر الميت، ثم وقع في أسر القوات البريطانية، فتنادى كبار المحامين الفلسطينيين للدفاع عنه، وأطلق سراحه عقب انتهاء الحرب العالمية.

وعلى الرغم من أن موضوع هذا الكتاب يركز على تحقيق نسب السادة الحريرية إلا أنه لا بد من التنبيه إلى أن لآل الحريري صفحات ناصـــعة في الجهاد والنضال الوطني ضد الاستعمار، وقد برزت وجوه عديدة منهم كرموز لمقاومة المستعمر، ولا بد من تصنيف مؤلف آخر يهتم بجمع تاريخ هذه المرحلة التي كان لآل الحـريري فيها دور وطني كبير لم يدون الكثير منه بكل أسف.


(1) عندما انتخب الشيخ محمد خير الحريري ممثلاً لحوران في البرلمان السوري عام 1943، تحدثت عنه الوثائق الفرنية باعتباره: "ينتمي إلى عائلة غنية وتتبوأ الصدارة في حوران”، ووصفته بأنه: "ذكي وطموح ومثابر.. ورث عن أبيه موقعه كشيخ مشايخ حوران”. محمد هواش (2005) تكوّن جمهورية: سورية والانتداب، منشورات السائح، طرابلس، لبنان. ص.ص 391-399.

(2) لمزيد من المعلومات يمكن مراجعة: أحمد محمود الزعبي (د.ت) صفحات مشرقة من نضال حوران، دار الشادي، دمشق.

(3) حمود بن محمد الزبرؤتي (1313هـ) تهاني أفاضل العلماء بقرة أعين أماثل العلماء، حماة. ص. 18-20.